فخر الدين الرازي

235

تفسير الرازي

المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة * ( فالحق ) * بالرفع * ( والحق ) * بالنصب ، والباقون بالنصب فيهما . أما الرفع فتقديره فالحق قسمي . وأما النصب فعلى القسم ، أي فبالحق ، كقولك والله لأفعلن . وأما قوله : * ( والحق أقول ) * انتصب قوله : * ( والحق ) * بقوله : * ( أقول ) * . المسألة الثانية : قوله : * ( منك ) * أي من جنسك ، وهم الشياطين * ( وممن تبعك منهم ) * من ذرية آدم ، فإن قيل قوله : * ( أجمعين ) * تأكيد لماذا ؟ قلنا , يحتمل أن يؤكد به الضمير في * ( منهم ) * ، أو الكاف في * ( منك ) * مع من تبعك ، ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين لا أترك منهم أحداً . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة أن الكل بقضاء الله من وجوه الأول : أنه تعالى قال في حق إبليس : * ( فأخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ) * فهذا إخبار من الله تعالى بأنه لا يؤمن ، فلو آمن لانقلب خبر الله الصدق كذباً وهو محال ، فكان صدور الإيمان منه محالاً مع أنه أمر به والثاني : أنه قال : * ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) * فالله تعالى علم منه أنه يغويهم ، وسمع منه هذه الدعوى ، وكان قادراً على منعه عن ذلك ، والقادر على المنع إذا لم يمنع كان راضياً به ، فإن قالوا : لعل ذلك المنع مفسد ، قلنا : هذا قول فاسد ، لأن ذلك المنع يخلص إبليس عن الإضلال ، ويخلص بني آدم عن الضلال ، وهذا عين المصلحة الثالث : أنه تعالى أخبر أنه يملأ جهنم من الكفرة ، فلو لم يكفروا لزم الكذب والجهل في حق الله تعالى الرابع : أنه لو أراد أن لا يكفر الكافر لوجب أن يبقى الأنبياء والصالحين ، وأن يميت إبليس والشياطين ، وحيث قلب الأمر علمنا أنه فاسد الخامس : أن تكليف أولئك الكفار بالإيمان ، يقتضي تكليفهم بالإيمان بهذه الآيات التي هي دالة على أنهم لا يؤمنون البتة ، وحينئذ يلزم أن يصيروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون البتة ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، والله أعلم . قوله تعالى * ( قُلْ مَآ أَسْالُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ ) * اعلم أن الله تعالى ختم هذه السورة بهذه الخاتمة الشريفة ، وذلك لأنه تعالى ذكر طرقاً كثيرة دالة على وجوب الاحتياط في طلب الدين ، ثم قال عند الختم : هذا الذي أدعو الناس إليه يجب أن ينظر في حال الداعي ، وفي حال الدعوة ليظهر أنه حق أبو باطل . أما الداعي وهو أنا . فأنا لا أسألكم على هذه الدعوة أجراً ومالاً ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طعمه عن طلب المال البتة ، وكان من الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان بعيداً عن الدنيا عديم الرغبة فيها ، وأما كيفية الدعوة